مطرح سيدي سليمان للنفايات المنزلية
بؤرة للتلوث يمكن أن تكون مصدرا للثروة

يطرح مطرح جمع الأزبال بسيدي سليمان عدة إشكالات، من أهمها مشكل الأرض، والحيز المخصص، والمخلفات البيئية الخطيرة، وطريقة الجمع والمراكمة، والإمكانيات اللوجستيةالمتوفرة للبلدية، والتصورات الممكنة لإيجاد حل للنفايات المنزلية التي يمكن أن تتحول إلى مصدر غنى لعدد من الأطراف.
ساهم في إعداد هذا الملف:
الحسين الإدريسي، دة. حياة الإدريسي، عبد المطلب منشح، مصطفى لمودن. (*)
فضاء أقبح من القبح:
قلة من يمكن أن يطلعوا على مطرح وضع النفايات بسيدي سليمان، ركامات هائلة مبعثرة كيفا اتفق، امتلأ المكان المخصص للجمع عن آخره"وفاض"، ليعم مناطق مجاورة، جوانب الطرق والممرات المتشعبة، جذران عالية من القاذورات المتعفنة، أكياس بلاستيكة ما تزال تحضن سمومها القاتلة، عجلات مطاطية، علب بلاستيك مختلفة الأحجام، روائح كريهة تزكم الأنوف لتدفع كل من في المكان إلى الهرب بعيدا، جحافل من الذباب بالآلاف، وحشرات تزحف وتتنقل من هنا وهناك، منظر تقشعر منه الأبدان، لكن رغم ذلك ستجد من ينقب بين نفايات سكان سيدي سليمان بحثا عن "أشياء" تصلح للبيع وإعادة تدويرها ضمن عجلة اقتصاد "تنمية الفقر"، هذا الاقتصاد المشوه الذي خلف ضحايا كثر من أهمهم مخاليو المزابل (جامعو بعض البقايا)، ذكر أحد الأطفال الذي وجدناه فوق كومة سوداء من النفايات وهو بلباسه الرث أن أهم ما يجمعون قنينات وعلب البلاستيك حيث تباع بدرهم واحد للكيلوغرام! من القراء من قد تثيره الشفقة على هذا الطفل الذي لم يتجاوز العشر سنوات، لكن الشفقة لا معنى لها هنا أمام زحف الفقر على قطاعات واسعة من المجتمع دون خلق آليات تضامن تشارك فيها عدة أطراف وتتحمل فيها الدولة مسؤوليتها كاملة، كان من الممكن أن يكون هذا الطفل على مقعد الدراسة عوض استنشاق سموم قاتلة، على مبعدة منه مراهق أكثر منه سنا، لكنه جد نحيف، يملأ أكياسا بما جادت به عليه المزبلة، وبجانبه جحش وبضع شياه تلتهم بقايا أكل عفن من هنا وهناك، قال محاوري: "يؤم هذا المكان خلق كثير للرعي وجمع النفايات الصالحة لبيع"، انتهى تدخله، فقد كان استطلاعنا للمكان وقت الظهيرة حيث يغادر الغالبية المكان اتقاء حرارة الشمس والتي تزيد في تبخر الأزبال.
كيف تتحول المزبلة إلى مصدر رزق!



ركام هائل يغلب عليه البلاستيك والنفايات المتعفنة، منها ما تحول في بعض الأماكن المتقادمة إلى ما يشبه التراب!

صورة جوية تبين مكان تواجد المطرح باللون الرمادي
توجد هذه المزبلة بجانب الطريق الوطنية رقم 4 (أنظر الصور الجوية)، خلف المدينة بما يناهز 5 كيلومترات بسهب الفال، وقد مدخراتها العفنة إلى حدود الطريق، ولا تخفيها غير أشجار كثيفة من الكاليبتوس، في على بعد أمتار قليلة…
ليس الخطير مما تخلفه هذه المزبلة مما يظهر منها وما تشعر به الحواس، لكن أخطر ما تسببه من مضار تأثيرها على الفرشة المائية كما قالت الباحثة الدكتورة حياة الإدريسي ضمن مساهمتها في هذا التحقيق، وهي قد قامت بدورها بمعاينة واقعة إفساد صحة البشر والحيوانات والبيئة بعين المكان.



على جانب الممرات تفرغ الحمولات وتتراكم

وصلت الأزبال لتطل على الطريق الوطنية (مدخل الشاحنات)
وأي مكان، بعدما عجزت البلدية في زمن مضى عن إيجاد مكان تضع فيه نفايات المدينة، وبعدما تم البحث في كل الأمكنة القريبة والبعيدة ـ كما قال أحد المستشارين القدماء بالمجلس البلدي ـ تفضلت شركة "الصوديا"(شركة عمومية تابعة للدولة) بتخصيص 5 هكتارات من أرض تابعة لها، رقمها هو 6505، وقد أحيط الهكتار بسور، لكن سرعان ما امتلأت هذه البقعة، ليتم الإفراغ في خارجها وكيفما اتفق، المهم هو التخلص من الأزبال ورميها بعيدا.




امتلأت منذ زمن بعيد المساحة المخصصة للمطرح التي يحيط بها سور
مرة سئل رئيس المجلس البلدي السابق قدور المشروحي عن كيفية معالجة الأزبال بمطرح النفايات، فقال كلما امتلأ المكان تدفعه جرافة وتكومه… انتهى جواب المسؤول، ليظهر بذلك الكيفية التي يعالج بها المشكل من قبل كافة المسؤولين، فليس المجلس البلدي وحده المعني بالأمر على كل حال، لكنه هو المعني الأول.
عوائق وآفاق:
أثناء جمعنا للمعطيات من أجل نشر هذا الموضوع، علمنا أن المجلس البلدي قد أعد من قبل أحد مسؤوليه المختصين مشروعا على الورق، يتضمن عدة احتمالات لمعالجة مشكل المطرح، لكن بقية التفاصيل لم نتوفر عليها، سوى صعوبة إيجاد أرض مناسبة، فالمالك الجديد للمكان هو مستثمر حصل على تفويت ضيعة الصوديا، وقد علمنا بقدوم الدرك الملكي في تاريخ سابق للمكان ربما لمعاينة واقعة احتلال "ملك خاص"، لهذا يرى البعض أن الحل يجب أن يكون تشاركيا بين جماعات متقاربة مثل سيدي قاسم التي لها مشكل مماثل مع مطرحها، وأن الحل كذلك يجب أن تشارك فيه وتدعمه على الأقل وزارة الداخلية، غير أنه في نفس الوقت هناك مسعى لخوصصة قطاع التطهير الصلب بالمدية، وفي هذا الإطار قدم أحد المستثمرين الإيطاليين مشروعه الخاص أمام أعضاء المجلس البلدي وبعض المدعويين يوم الجمعة 16 أكتوبر 2009 بإحدى قاعات الأعراس الخاصة، ولعل المجلس البلدي الحالي قد يسير في منحى تفويت هذا القطاع، ليوضع تساؤل عريض مفاده غياب المقاولة المغربية عن هكذا مشروع، بل ولمَ التفويت أصلا؟ ألا يمكن للمجلس البلدي أن يقوم بالأمر بنفسه؟ وما هو التأثير الذي يمكن أن يقع سلبا على الضريبة المحلية الخاصة بالنظافة التي قد ترتفع لتضرب هي الأخرى القدرة الشرائية للساكنة، فينضاف إلى ذلك ما وقع مع تفويت التطهير السائل إلى المكتب الوطني للماء الصالح للشرب، ليظهر بوضوح الشلل التام الذي يصيب مجالسنا المنتخبة وعدم قدرتها على تحمل مسؤوليتها كاملة في عدد من المدن المغربية، فلا تجد من حل غير تفويت عدد من الخدمات في إطار التدبير المفوض لصالح شركات أجنبية وعلى حساب جيوب ساكنتها، بل وحتى على حساب جودة الخدمات كما حاصل في الرباط والدار البيضاء، لكن في نفس الوقت يجب كذلك تقدير الخسائر البيئية الفادحة الناتجة عن إلقاء النفايات في الهواء الطلق، وقد تقدم المستثمر الذي أشرنا إليه بخطة لفرز النفايات وإعادة استعمالها، وطمر البقية بطريقة قد لا تؤذي البيئة.
إلى الآن بلدية سيدي سليمان تدبر مسألة النفايات المنزلية بشكل عشوائي، كما هو واضح للجميع، (لا أحد يعرف كيف تعالج النفايات الطبية) شاحناتها تجوب الأحياء مرتين أو ثلاث في الأسبوع، تبقى بعض البؤر بالمدينة تحتضن أزبالا متراكمة لأيام، رغم كل المجهودات التي تقام، مما يجعلنا نتحفظ على بعض المعطيات المدلى بها من قبل أحد المسؤولين عن الإمكانيات المتوفرة للمجلس البلدي، من ذلك توفره على 14 شاحنة تجمع فقط 5 أطنان في اليوم من النفايات كما جاء على لسانه! (أنظر الورقة التقنية)، أما ما ذكره عن دور عمال النظافة في إطار الإنعاش الوطني فيثير الاستغراب والدهشة، أولا من حيث ضعف الأجور المقدمة لهم، ثانيا من حيث قلة النظافة في المدينة كما نرى كل يوم، عدم توظيف عمال نظافة كافيين لمختلف الأحياء والشوارع.
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ