قصة قصيرة: نزيل في التراب
قلت لها سأقضي الليلة فقط، دفعت لها ثمن مبيتي، انصرفت تنقر بعكازها الأرض المزلجة، وهي تردد جمل الترحيب المعتادة …
تمددت بأحد أركان الغرفة المعتمة، أحاول نفض تعبي، وإعادة مشاهد أحداث اليوم المتوالية…
توديع أفراد الأسرة والأصدقاء ،انسياب دموع الوالدة، العناقات الحارة… إلى ركوب الحافلة… آه على الحافلة! تختلط فيها كل أنواع المحمولات، بشر، أمتعة، حيوانات، تدحرج عجلاتها في هدير يصم الآذان، تقطع خلاء يورث السأم لفراغه الفظيع سوى من قرى متناثرة تسبح في مساحات جرداء يلفها السراب …
ما إن توقفت الحافلة في نقطة وصولي، حتى تهافت عليها جمع من الحمالين و السماسرة يعرضون خدماتهم على الركاب قبل أ ن تطأ أقدامهم الأرض…
قفزت امرأة سمينة تلتحف رداء أبيض على حقائبي، جمعتها، كبست عليها بساقيها، ثم أمسكت بمعصمي، ونطقت بلهجة حازمة :"ستنزل عندنا، كل شيء متوفر، غرف متهوية… والثمن مناسب جدا ".
نظرت حولي، التنافس على أشده من أجل الوافدين، كل واحد تسلّمه رجل أو امرأة، كأنه طرد بريدي يخصه، المدينة في موسمها السنوي، لافتات كثيرة تعلن عن ذلك، وفرص الرواج لا تتكرر… بلعت استغاثتي، أراحتني المرأة السمينة مما ثقل من أمتعتي، تحركت فتبعتها عبر دروب ضيقة … بباب الدار المقصودة وقفت عجوز مرحبة، دفعت لها الثمن، فقادتني إلى غرفة فارغة.
هكذا كان، إلى أن وجدت نفسي ممددا على هذا السرير الخشن… ما تزال تفصلني ليلة واحدة على تعييني في عملي الجديد، لم أصدق أ نني أخيرا سأشتغل! كيف سيكون زملائي؟ وما نوع العلاقة التي ستجمعنا؟ وما..؟ وما…؟ هل صدفة كان من حظي هذه المدينة؟ واليوم هذه الغرفة الضيقة؟ أحملق في الجدران المبرقعة، تفجرت قشور الأصباغ المتراكمة، منها ما سقط، ومنها ما يزال ينتظر أدنى هبة نسيم، والسقف مثخن بالرطوبة، يبدو كسماء ملبدة بالغيوم… غفوت، فنمت ما تبقى من العشية.
انتشلتني من نومي حركة أقدام، وإيقاعات نقر على الأرض، إنها العجوز بعكازها، دخلتْ دون استئذان، قالت أنها جاءت تسأ ل عن حالي … غادرت ثم رجعت، كررت الذهاب والإياب، كل مرة تسألني عن شيء؛ عن عشائي، عن رغبتي في شرب الشاي، عينت لي موقع المرحاض في البيت… أحس أنها فقط تبحث عن المبررات، ربما لتقضي معي ردحا من الوقت في الثرثرة، تستطلع أخباري… كل مرة أجيبها بإيماءة من رأسي، أو بأقصر الجمل من وراء جريدتي التي لم تتح لي الفرصة لقراءة محتوياتها.
جاءت مرة أخرى، قعدت قبالتي على مرمى همسة، وضعت عكازها بجانبها، وسألت : "من أي بلاد الله أنت؟"
وضعت الجريدة جانبا، و استويت جالسا على حافة السرير الواطئ:"من مدينة س. ـ قلت لها ـ ".
حركت رأسها ببطء ، وأطرقت إلى الأرض تداعب عويدات الحصير بأناملها الجافة، دون أن ترفع رأسها، سألتني :"جئت وحدك ؟"
ـ نعم.
ـ هل ستبيت هنا ؟
المزيد