مرحبا بكم في مدونة سيدي سليمان... من سيدي سليمان إلى كل الآفاق...

 


قصة لياسر اكميرة

نوفمبر 4th, 2009 كتبها مصطفى لمودن (المشرف) نشر في , قصة

قصة:

الحداثة في زمن الأنفلونزا

رائعة الشرجان غارسيا كامي ماركيز 

محمد ياسر اكميرة

 

في بيت احدى الأسر الحداثية المستفيدة من نعم العهد الجديد، حيث تحول اسم الزوجة من البتول إلى بثينة واسم الزوج من ميلود إلى معاذ (رغم أن اسم معاذ على ما أعتقد أقدم بكثير من اسم ميلود، إلا أن لحداثة العهد الجديد منطقا غير منطق التاريخ، فلا تستغربوا … ! ) جلست بثينة على مائدة الأكل تتناول القليل مما أعدته لها خادمتها الفلبينية، لأنها لا تريد أن تسترجع الكيلوغرامات الثلاث التي فقدتها بفضل الله تعالى أولا، ثم بفضل الحمية التي وصفها لها الدكتور محسن الأخصائي في الفول واللحم، وتقاضى مقابل ذلك ثلاث ملايين سنتيم، بعد أن عقد معها بضع جلسات وزارها في البيت ما يناهز الثلاث مرات لتحديد مصدر الداء، ونشط معها ورشة لترويض بطنها حتى لا يتسع إلا للنزر القليل من الطعام الوفير… قبل أن يفتح معاذ الباب الخشبي الضخم المصنوع من أرز الأطلس المتوسط ويدخل وفي يده علبة مستطيلة بيضاء.

  • ماذا هناك؟ قالت بثينة بصوت مضطرب ممزوج بما يشبه القبل لأنها تحاول أن تسترجع إحدى أوراق المقدونس التي أرادت أن تفلت

المزيد


قصة

يوليو 4th, 2009 كتبها مصطفى لمودن (المشرف) نشر في , قصة

 

أقصوصة:   مكـتـبة الـبـشر… حـافـلاتنا
مصطفى خداد(*)
يصعد الركاب إلى الحافلة، كل يحصل على ورقته، تبدأ المغامرة من الجهة اليمنى للحافلة، على الكرسي الأول، يثني الراكب الأول الورقة على أربعة أوجه، فيم الثاني يأكلها ثم يجترها فيخرجها مرة أخرى، ثم ينفخ عليها لتجف بعدما تذكر أن المراقب آت لا محالة، الثالث يستخرج مقصا للأظافر فيخترق الورقة ليشكل نافذة مثقوبة يسترق من خلاها النظر.
يصنع الرابع كرة من الورقة على غرار الراكب الخامس الذي اخترع طائرة صغيرة، أما السادس فيحتفظ بالرقم المهم ويمزق حواشيها، فيتفنن السابع ليلف الورقة عل شكل سيجارة ثم يوقد النار بها و يدخنها غير أبه بالمراقب أو سواه.
الثامن و لطبيعته العاطفية، فيكتب على ظهر الورقة رقم " موبايل " التي كانت تجاور

المزيد


قصة

يونيو 26th, 2009 كتبها مصطفى لمودن (المشرف) نشر في , قصة

                   قصة قصيرة: إلى متى أيها الإعلام؟            

 
 
روما: مصطفى خداد (*)
 
 أصيبت أم مغربية وفتاتاها الحسناوتان بأنفلونزا الخنازير، وكان أهون عليها أن تموت ولا ترى جميلتيها اليافعتين تعطسان أو تلازمهما دزة من المناديل البيضاء وعلب أدوية مضادة للجراثيم.
انحصر الحدث وهوله داخل البيت القصديري الضيق، وتوالت المصيبة تلو المصيبة، وخافت الأم سريان الخبر في حي آخر ما ينقصه هو هذا المرض المرعب.
في ذهن الأم عديد من الأسئلة العالقة بدون أي جواب منطقي ومقنع، سمعت من السلطات أن الوضع مسيطر عليه وأنه لا خوف على المواطنين ولا هم يحزنون، فسلمت وآمنت بقول السلطات .
خمسة أمتار ونصف المتر مربع، تفرق بينها جدران من قطع خشب مترهل، تأكل منها الأرضة ولصوص الزيت لدى المغاربة" سراق الزيت "، و تسكنها عناكب الفقر، أوان مكدسة على لوح خشبي مشحم بزيت الوجبات المتصاعد، تثيرك طنجرة سوداء، غطاءها مثقوب يخترقه سلك مصدأ يساعد على حملها من على النار وهي تشبه إلى حد كبير طنجرة أيام الدراسة العجيبة، تلفاز يشع منه الضوء، وهو ألمع ما يحتويه هذا السجن الرحب، فاخر وفاخم كل الفخامة، تحته مستقبل قنوات فضائي .
ألم يكن من الجدير بهذه الأم أن تستبدل هذا الجهاز بضرورة أخرى تفاديا لعدم التناسق ؟
سؤال يطرحه كل غريب زائر، وهو بالنسبة إلى المنطق المغربي بديهي، لكنه بلادة، بل جهل، إنها لم تشتره إلا لأن له ضرورة تدريها وتعيها كل الوعي خاصة وأن لها ابنتان .
اشتد المرض، أخذ الكل يسعل، فأنتشر الوباء ليصل الجيران وتتسع رقعته إلى أن أصبح الحي كله بؤرة للأنفلونزا.
طرح السؤال من جديد لكن بشكل جماعي :
ــ من أين أتتن

المزيد


قصة

مايو 1st, 2008 كتبها مصطفى لمودن (المشرف) نشر في , قصة

قصة

لماذا تلوّح فقط؟

في يوم دافئ أحسست بعطش مفاجئ وبحرقة بسيطة في حلقي، كان المطر قد توقف لتوه، وظهرت أضواء شمسية بعد طول فصل مطير، كانت فيه السماء ملبدة بغيوم داكنة على الدوام… خرجت كباقي الكائنات الحية أتمشى على سفح الجبل وأسخن أطراف جسدي. لكن هذا العطش المفاجئ عكر صفو خاطري قليلا… لم يكن من اللائق أن أتزود بقنينة ماء أحملها معي، تلك ضرورة يتطلبها قيظ صيف مازال بعيدا. قلت مع نفسي سأجد بركة ماء قريبة تروي عطشي، فالماء مازال جديدا لم يُلوث بعد، آخر القطرات نزلت في الصبح. لكن المفاجأة الثانية بعد العطش الذي أصابني هو أنه لم أجد نقطة ماء متمددة على الأرض، مشيت خطوات كثيرة، أبحث هنا وهناك، ولا ماء!.. عجبا، في مثل هذا اليوم غالبا ما تبقى برك مائية كثيرة، منها ما يدوم لأيام، فماذا حدث؟ 

  تذكرت حكاية قديمة كانت ترويها الجدات، تقول الحكاية أن شامة الجميلة هجرت أسرتها، وسكنت مغارة في أعلى الجبل، بعدما رفضتْ تزْويجَها من رجل لا تحبه، يُقال أنها كانت أجمل وأذكى فتاة في البلد، تتوفر على أجمل عينين ساحرتين، روعة وبهاء لا نظير لهما يعجز عن وصفه أي شاعر أو كاتب… بالإضافة إلى جمال عينيها الأخّاذ، فقد كانت لهما قوة خارقة، بهما تستطيع تحريك الأشياء، تجذبها أو تدفعها، تعرف ما يوجد بداخل أي شيء بمجرد الرغبة في ذلك، مما جعلها محط احترام وتقدير الجميع، وحتى تهيُّبَهُم الذي لم يُخفه أحد، سوى أقوى رجل في البلد، فقد أرادها لنفسه زوجة فرفضت، رغب في إضافتها إلى بقية زوجاته وممتلكاته، فضلت الانعزال في الجبل، على الرضوخ للأوامر التي تقاطرت عليها من كل جهة.

  مع مرور الأيام بدأت تتساءل مع نفسها:

    ـ هل يمكن أن أبقى بلا زواج؟ أنا في حاجة كذلك إلى رجل يتزوجني وأتزوجه، نعيش معا، نكوّن أسرة وننجب أبناءً، الزمن يمر، الجمال يذبل مع الوقت، تضعف فرص الإنجاب وترْك الخلف، لا نَفْنى حينما نترك الخَلَف الذي يشبهنا ـ تقول مع نفسها ـ ولن يشبهنا الخلف إلا إذا كان نتيجة حب حقيقي…

     لكن كيف تتزوج وهي منعزلة في الجبل؟

   كما حكت لي جدتي مرارا فشامة قررت أن تختار هي بنفسها من تتزوجه، وضعت شروطا يجب أن تتوفر فيمن ستنجب معه ذرية، أولها الذكاء، وثانيها القوة، ثم حسن المعاملة، ووضعت خطة تجرب بها كل من قدرت أن يكون زوجا لها، إلى أن تتأكد من حسن معاملته… ارتأت أن تتعرف على أبناء بلدها كلّهم لتختار منهم واحدا يناسبها، فكرت في أنجع وسيلة يمكن بها أن تتعرف على جميع الشبان بدون استثناء، التجأت إلى القوة الكامنة في عينيها لتحقيق ذلك.

       صعدت إلى أعلى القمة، نظرت إلى كل الأرجاء، وفي لمح بصر حولت كل عيون الماء والبرك المائية الصغيرة المتناثرة هنا وهناك إلى أسفل الجبل الذي تسكنه، بذلك سيأتي إلى مصدر الماء كل الرعاة وكل من يريد جلب الماء إلى بيته، وكل من يرغب في إرواء عطشه… حينها ستختار من يناسبها، غير أن تدفق مياه جميع العيون كون بحيرة كبيرة حول الجبل.

 أنا أريد أن اروي عطشي، ما زلت أتـمشى، أبحث عن أي منبع ماء أو بركة. بعدما أزحت عن طريقي غصن شجرة مائل رأيت بحيرة تمتد أمامي! 

    لم تكن هذه البحيرة من قبل، لم

المزيد


قصة

ديسمبر 24th, 2007 كتبها مصطفى لمودن (المشرف) نشر في , قصة

قصة:       عين على مهزلة

 

    علم الجميع بالخبر، في السوق الأسبوعي، البراح بمكبر الصوت، لم يترك ممرا إلا وعبره، ولا جماعة من المتسوقين إلا ووقف أمامهم، وفوَهة بوقه تنقل الخبر عبْر الاتجاهات الأربع . المذياع يبثّ الإعلان قبل الأخبار وفي نهايتها، والتلفزة لا تنفك تذكر المشاهدين… وعلى جنبات الطرق والجدران ملصقات لامعة… تخبر بالمسابقة الوطنية للحرث بالجرارات، « التي ستقام هذه السنة بالجماعة القروية 512 س ـ بي 17، بمشاركة أجود الجرارات… » وتضيف بخط عريض ولامع بأن وفدا رسميا رفيع المستوى سيعاين ذلك ،ويُختم الحفل بتوزيع جوائزَ قيمةٍ على الفائزين…

    عقد القائد اجتماعا موسعا، حضره كافة أعضاء مجلس الجماعة المنتخبون بما فيهم الرئيس، وكذلك كبير الفلاحين، ورئيس الطباخين، وشيخ البراحين، ومحضرو الراقصات …لأول مرة خاطبهم القائد بعبارات مهذبة : «عليكم أن تعلموا أن توصلكم بالماء الصالح للشرب، وربط قراكم بالكهرباء أصبح ممكنا الآن، مادام مسؤولون كبار  سيحضرون، ولكن عليكم بحسن استقبالهم، والسهر على إعداد حفل ضخم يدخل السرور والبهجة على جميع أعضاء الوفد… كل ذلك ستنقله التلفزة، وسيراه المسؤولون الذين لم يحضروا والعالم بأسره… وإن اختيار هذه الجماعة فيه تشريف لنا جميعا»

     انتشرت الأوامر في جميع القرى، علمت التربة والأشجار والغدير والشياه… كل ما أصبحت تسمعه الآذان وتحس به الكائنات الحية بكافة أنواعها، هو أن الواجب يقتضي تضافر الجهود لإقامة حفلة رائعة لم يظهر مثلُها على شاشة التلفزة من قبل .

      يصيح في الناس أحد براحي السلطة:«على كل واحد أن يساهم، قبل الحفل بما يُطلب منه، وأثناء الحفل حضوره ضروري ومؤكد… واعلموا أنه لولا هذا الحدث السعيد لما ذكرتكم التلفزة، ولما سويت الطريق من التربة المتراكمة، ولما رُشّت بالماء صباح مساء كما ترون، لهذا نريد أن نُخلّد هذه المناسبة بحفل كبير ورائع، عليكم كلكم أن تشاركوا، عيدان الغابة اقلعوها، زرابيكم المزركشة احضروها… الأكف للتصفيق، وألسنة نسائكم للزغاريد، وحتى لا أنسى عسل النحل إيتونا به، والخيول وسروجها المطرزة، والزرع المطمور أخرجوه…» 

       يندفع في هستيرية ككل المسؤولين المحليين، يتعثر بتلابيبه، يدفع بيديه كل من يجده واقفا أمامه  لا يفعل شيئا.

      هبّتْ نسمةُ ريحٍ خفيفة، فاهتزت التربة والحجارة للخبر، حزنت الأشجار لفقدان أعْتَدِ أغصانها، نيران الأفرنة تلتهم كل شيء، تناقصت مياه الغدير المنساب، ولم تعدْ تصل إلى الحقول بالوفرة المعتادة، فقد فضل السؤولون رشّ الطريق وميدان الفروسية، مستعمل

المزيد


قصة

أكتوبر 23rd, 2007 كتبها مصطفى لمودن (المشرف) نشر في , قصة

  قصة قصيرة:       حيرة

 

      يصعب علي أن أتذكرهم جميعا، حتى سحناتهم ونبرات أصواتهم انْمحت من ذاكرتي، و ذلك بسبب الواقعة التي حدثت… كنا جماعة حائرة وجلة، متراصين على جانب النهر، لست أدري على أية ضفة هل اليمنى أم اليسرى، كل ما هناك أن السماء لم تتوقف لحظة عن إنزال المطر مدرارا، والسحب الداكنة غطت كل الآفاق…مياه النهر هادرة متلاطمة، يرتفع   منسوبها  باستمرار… تقترب من مواقع نعالنا، تهددنا بالانجراف…

     ومما زاد أمرنا سوء تعرضنا لحمى غريبة، تكاد تهلكنا جميعا، ما أن تحل نوبتها حتى ندخل في هستيرية مقرفة، نتصايح جميعنا في صخب ونتشابك بالأيادي والأسنان، لتحل بعدها فترة هدوء قصيرة، تتاح لنافيها فرصة التفكير المقتضب في حالنا، بعدما نكون قد افتقدنا كل ما اختزناه بذاكرتنا…

    تكاثرت التفسيرات و التأويلات، هناك من قال أن تربتنا قد سممت، و غذاؤنا لم يعد صالحا، وعلينا أن نغادر هذه الضفة…وهناك من ذكر أن كائنات فضائية سلطت علينا لعنتها، وهناك من ادعى إيجاد الحل لمشكلتنا.

      لم توسعنا حيلة، ولم تسعفنا مهارة… أصبحنا مهيئين لتقبل كل أشكال الحلول، مستعدين لتقمص فئران التجارب…قال المدّعون أن الحل على الضفة الأخرى  ؛ هناك لوح محفوظ، مخبأ في مكان ما، فيه تفاصيل دوائنا، علينا جميعا أن نبحث عنه، صدق الجميع الفكرة و أصبحت همهم الشاغل.

       كان علينا أن نقطع النهر، نظر بعضنا إلى بعض، تحمسنا و عقدنا العزم على التصدي، مصيرنا مرتبط بذلك، غير أن فئة منا انزوت جانبا، تشاورت في أمر، ثم عرضوه على الباقين، وهو ما أثار جلبة و انقساما في الرأي.

 

 

     لا أتذكر التفاصيل الدقيقة…مجمل القول أنه كان معنا شخص متحمس لا يكف عن توزيع تباشير الأمل في تغير أحوال الطقس، و قرب حلول عهد جديد، ترتفع فيه عللنا و تحل عقدنا لنهنأ و نعيش مرتاحين… ورأت الفئة التي تشاورت أن الشخص المعتوه لا يفيد الجماعة بشيء، بل إن وجوده فيه عناء لما يحتاجه من رعاية و عناية… و بما أن الأمر خطير جدا و يهمنا جميعا، فلا بد له من أن يبدي تضحية لصالح الجماعة، أي أن يقطع هذا المبشر المعتوه النهر وحده، فإن نجا تبعناه و نجونا كذلك، و إن هلك، نكف عن أية محاولة ستكون عاقبتها أخطر…

     و رأت فئة ثانية أن الرجل واحد منا، ولا يمكن التفريط في أي عنصر من الجماعة، و إذا كنا مستعدين لقطع النهر، علينا جميعا أن

المزيد


قصة

سبتمبر 18th, 2007 كتبها مصطفى لمودن (المشرف) نشر في , قصة

قصة قصيرة :    الشباك الآلي

 

يقصد صديقي الموظف في آخر كل شهر ميلادي المؤسسة البنكية لاستلام راتبه، الذي تواظب الحكومة على إرساله له، مقابل الخدمات التي يسديها للمواطنين

      صديقي الموظف محظوظ جدا، كان يلج باستمرار المؤسسة المالية، يتملى بالطلعة البهية للمستخدمين، وهم يرفلون في أناقتهم وبدلاتهم الراقية. ينال نصيبه من توزيع ابتسامات المجاملة! و يستطيع رؤية الرزم المالية مصطفة بعناية، و المترفون يودعون رزما أخرى… و الآن، فقد أتاحت له الطفرة التكنولوجية فرصة إجراء معاملته المالية الشهرية في الهواء الطلق، سواء أكان المطر يهطل أو الحرارة تلهب…  المهم أنه يحس بأمان أكثر بعيدا عن مكيفات الهواء، فقد سمع أنها تسبب تقرح اللوزتين ومضار أخرى…  أصبح يساهم كأي مواطن صالح ومتحضر في تكوين صف طويل بالشارع العمومي، في نظام وهدوء، طواعية وبلا رادع، دون تدافع كما يحدث كل صباح عند ركوبه الحافلة في نقطة الانطلاق المعتادة.

 

     ينتظم المنتظرون في صف طويل، بعضهم يتكئ على الجدار، لا أحد يلمس زجاج الواجهة، الصمت يلف الجميع، تعلو محياهم حيرة غريبة تفصح عنها النظرات الزائغة وحركات الأطراف المتثاقلة، وتأفف من انتظار قد يطول… كل واحد لا يعرف بالضبط ما يخبئه له الصندوق العجيب، هل لفح أجرته لهيب اقتطاع مفاجئ لهذا الشهر؟ أم أضيف لحصيلته مقدار مالي قد يخفف عليه جزءا من العجز المتراكم؟

 

     اقترب مارٌّ مسن من الصف وهو يجرجر بلغته المهترئة، تساءل عن سبب هذا "التجمهر"، لم يجبه أحد، تقدم إلى الأمام، راقب كيفية إجراء السحب، أدخل رأسه ليرى إن كان يجلس في الجهة الأخرى من يدفع النقود من كوة، كما يتعامل الحانوتي مع زبنائه في القرية، تراجع قليلا، تكلم بصوت مسموع كأنه يخاطب الجميع: "نحن عندما كنا نعمل مع أحدهم في حقل من الحقول، نلتقي بالمخلص في السوق الأسبوعي، نلتف حوله وهو يخرج النقود من شكارته وينادي على كل واحد باسمه ويمنحنا أجرتنا…"، ثم غادر وهو يتمتم بعبارات التعجب.

        قدمت فتاتان في مقتبل العمر لهما قوام ممشوق، ملابسهما من آخر ما استجد في عالم الموضة، إحداهما لها شعر أشقر مسدول، هل هو مصبوغ أم أصيل؟… قالت الشقراء لرفيقتها: "هل نأخذ الصف مع الرجال؟"،  توقفت على الرصيف سيارة فاخرة، تحمل لوحتها سلسلة أرقام جديدة، يتوسطها حرف عربي، أشار أحد راكبيها إلى الفتاتين، لوح لهما من وراء الزجاج بورقة مالية خضراء، لا تشبه ما يستخرج من الصندوق الآلي، دون أن يأبه للعيون الناظرة، يلح عليهما بشكل مستفز لتقتربا، ربما ليبين لصاحب السيارة حنكته في استدراج الفتيات… تجاهلتا النداء، انضمتا إلى الصف، وانطلقت السيارة مسرعة.

 

المزيد


قصة

أغسطس 18th, 2007 كتبها مصطفى لمودن (المشرف) نشر في , قصة

          قصة قصيرة:                     نزيل في التراب

 

        قلت لها سأقضي الليلة فقط، دفعت لها ثمن مبيتي، انصرفت تنقر بعكازها الأرض المزلجة، وهي تردد جمل الترحيب المعتادة …

     تمددت بأحد أركان الغرفة المعتمة، أحاول نفض تعبي، وإعادة مشاهد أحداث اليوم المتوالية…

  توديع أفراد الأسرة والأصدقاء ،انسياب دموع الوالدة، العناقات الحارة… إلى ركوب الحافلة… آه على    الحافلة! تختلط فيها كل أنواع المحمولات، بشر، أمتعة، حيوانات، تدحرج عجلاتها في هدير يصم الآذان، تقطع خلاء يورث السأم  لفراغه الفظيع سوى من قرى متناثرة تسبح في مساحات جرداء يلفها السراب …

     ما إن توقفت الحافلة في نقطة وصولي، حتى تهافت عليها جمع من الحمالين و السماسرة يعرضون خدماتهم على الركاب قبل أ ن تطأ أقدامهم الأرض…

       قفزت امرأة سمينة تلتحف رداء أبيض على حقائبي، جمعتها، كبست عليها بساقيها، ثم أمسكت بمعصمي، ونطقت بلهجة حازمة :"ستنزل عندنا، كل شيء متوفر، غرف متهوية… والثمن مناسب    جدا ".

    نظرت حولي، التنافس على أشده من أجل الوافدين، كل واحد تسلّمه رجل أو امرأة،  كأنه طرد بريدي يخصه، المدينة في موسمها السنوي، لافتات كثيرة تعلن عن ذلك، وفرص الرواج لا تتكرر… بلعت استغاثتي، أراحتني المرأة السمينة مما ثقل من أمتعتي، تحركت فتبعتها عبر دروب ضيقة … بباب الدار المقصودة وقفت عجوز مرحبة، دفعت لها الثمن، فقادتني إلى غرفة فارغة.

     هكذا كان، إلى أن وجدت نفسي ممددا على هذا السرير الخشن… ما تزال تفصلني ليلة واحدة على تعييني في عملي الجديد، لم أصدق أ نني أخيرا سأشتغل! كيف سيكون زملائي؟ وما نوع العلاقة التي ستجمعنا؟ وما..؟ وما…؟ هل صدفة كان من حظي هذه المدينة؟ واليوم هذه الغرفة الضيقة؟ أحملق في الجدران المبرقعة، تفجرت قشور الأصباغ المتراكمة، منها ما سقط، ومنها ما يزال ينتظر أدنى هبة نسيم، والسقف مثخن بالرطوبة، يبدو كسماء ملبدة بالغيوم… غفوت، فنمت ما تبقى من العشية.

    انتشلتني من نومي حركة أقدام، وإيقاعات نقر على الأرض، إنها العجوز بعكازها، دخلتْ دون استئذان، قالت أنها جاءت تسأ ل عن حالي … غادرت ثم رجعت، كررت الذهاب والإياب، كل مرة تسألني عن شيء؛ عن عشائي، عن رغبتي في شرب الشاي، عينت لي موقع المرحاض في البيت… أحس أنها فقط تبحث عن المبررات، ربما لتقضي معي ردحا من الوقت في الثرثرة، تستطلع أخباري… كل مرة أجيبها بإيماءة من رأسي، أو بأقصر الجمل من وراء جريدتي التي لم  تتح لي الفرصة  لقراءة محتوياتها.  

 جاءت مرة أخرى، قعدت قبالتي على مرمى همسة، وضعت عكازها بجانبها، وسألت : "من أي بلاد الله أنت؟"                      

        وضعت الجريدة جانبا، و استويت جالسا على حافة السرير الواطئ:"من مدينة س. ـ قلت لها ـ ".

    حركت رأسها ببطء ، وأطرقت إلى الأرض تداعب عويدات الحصير بأناملها الجافة، دون أن ترفع رأسها، سألتني :"جئت وحدك ؟"

  ـ نعم.

 ـ هل ستبيت هنا ؟

   

المزيد


ثقافة وفن

يوليو 22nd, 2007 كتبها مصطفى لمودن (المشرف) نشر في , قصة

   قصة قصيرة:           الثعبان والبيض المسلوق

 

         مهداة إلى جميع سكان قريتي… الذين هاجروا، والذين مازالوا صامدين يكابدون. وأي تطابق مع شخوص وأحداث من الواقع ليس محض صدفة…

 

       كل سنة يعيشون نفس اللحظات المعادة، يصارعون قساوة الطبيعة، أحيانا تجود عليهم، فيهطل المطر مغيثا، يستبشر به سكان القرية جميعهم، يتبادلون بسببه التهاني فيما بينهم، تماما كما يفعلون عند حلول عيد من الأعياد، غير أنهم يتعرضون لتسلط أشخاص لا ينتمون مثلهم للقرى… يدعون أنهم مجرد منفذين للأوامر، ذريعة لا يتقبلها القرويون، كلهم سواسية في نظرهم، من المدير إلى القائم على البوابة، لا فرق… لكل واحد دور في تخريج المأساة التي تكرر نفسها بنَفس بيروقراطي أصيل.

       مباشرة بعد جني المحاصيل الزراعية المبكرة، تبدأ الحملة انطلاقتها العلنية من السوق أولا… ينادي البراح متجولا بين الممرات، متنقلا من رحبة إلى أخرى…تصل الأوامر إلى كل بيت في البوادي:"الأداء، الأداء، والآجال محدودة…!"، يكفي أسبوع للشروع في التنفيذ…لكل قرية أحداثها، الأبطال الضحايا هم السكان أنفسهم، والمخرجون الحقيقيون وراء الستائر لا يظهرون إلا عند الحاجة الماسة… الخشبة فضاء واسع، يشمل الحقول والوديان والشعاب والأسواق، وممرات الإدارات والدهاليز المظلمة…

     أغلب السكان يعالجون الأمر بحزم خاص، هناك من يوفر مكرها، متخليا عن كثير من الضروريات، كبناء حجرة أو سقيفة، أو مؤجلا عقد قران زيجة… ليبيع المحاصيل وجزء من الماشية، يدفع دينه ويرتاح قليلا… وما أن يحل الخريف وتظهر بوادر القطرات المطرية الأولى حتى يدق بابهم من جديد.

     يقول المدير:"هناك من يحتمي بالهروب واللف، هؤلاء يجب إلقاء القبض عليهم، والضغط عليهم إلى أن يؤدوا…"

 

      تبدأ الحكاية باستدعاء جميع الفلاحين، يُجمعون في مراكز خاصة، تؤثث جوانبها بآليات متنوعة، وصور مستوردة مبهرة عن حقول فاتنة..!! يخطب فيهم مسؤولون عديدون، لا يفهم الفلاحون إلا جزء يسيرا من عباراتهم المخلوطة بلغة أجنبية! يميزهم الفلاحون بألوان ربطات أعناقهم واتساع صلعاتهم أو ضيقها، يبدو للفلاحين أنهم يحدثونهم عن مزايا الحرث المبكر، واستعمال البذور المختارة والأسمدة المُخصبة…" كل ذلك متوفر وما عليكم سوى التوقيع، وعندنا لكم مفاجئات أخرى مغرية، مبالغ إضافية من أجل الحرث والتنقية واقتناء المبيدات…"، بذلك ختم الذي يبدو أنه رئيسهم.

 يعيدونهم بمحاصيل وافرة، وسهولة في الأداء تمتد على سنوات عديدة…كل الأثمنة مرتفعة، والفوائد جد عالية، تتراكم الديون، وغالبا ما يؤدي الأبناء ما اقترضه ألآباء في حياتهم منذ زمن غير يسير، يرث الأبناء القروض! تماما كما وقع لأحمد

 

    دائما على أهبة الاستعداد حتى لا يقع في أيديهم، يوصي جميع أفراد الأسرة أن يجيبوا ـ حين السؤال عنه ـ بأنه مسافر ولو كان بالمنزل… يأمر ابنه سليمان أن يراقب باستمرار الطريق، ويخبره إن رأى حديدا قادما إلى القرية، كي يتدبر أمر اختبائه. رغم كل الإحتياطات يأتون على حين غرة، ويعودون بمن وقع في أيديهم… مرة حينما مروا بجوار منزل الفاطمي، خاطبهم ابنه إبراهيم من فوق الزبالة قائلا:"هل تريدون أبي؟"

     أجاب أحدهم على الفور:"نعم، أين هو يا ولدي؟"

     رد الصبي ببراءة:"إنه تحت كومة التبن"

     أخرجوه، أخذوه من قفاه، وساقوه أمام أنظار أبنائه والعيون المتخفية المطلة من الكوات وشقوق الأبواب والنوافذ، أودعوه سيارتهم الرمادية، ولم يخلفوا غير الغبار المتناثر على و

المزيد


قصة

يوليو 4th, 2007 كتبها مصطفى لمودن (المشرف) نشر في , قصة

في كل شهر سأحاول إدراج قصة مما تراكم لدي، أغلبه نشر بصحف وطنية، ونظرا لصعوبة النشر ضمن "مجموعة قصصية" نكتفي الآن بالواجهة الفضية، عبر الشبكة…كما أننا نستقبل مساهمة القراء للنشر…    

 

     قصة قصيرة:            الكأس المستنسخة

أعرف أنني لما تسلمت الكأس، لم أكن بطلا لا يقهر، أو بمعنى آخر بطلا أولمبيا يهزم جميع منافسيه من البشر في اختصاص رياضي معين … إنما تفرغت لتداريب شاقة… جل وقتي أقسمه بين التدريب والدراسة، في غياب أي دعم تساعدني أسرتي فقط، وتضحيات مدرب عصامي في نادي المدينة الذي تغيب فيه شروط الممارسة الرياضية الحقيقية.

   لم أجد في كل مراحل الإقصائيات ندا حقيقيا، وبذلك كان التتويج سهلا، يومه حضر رئيس الجامعة، يحيط به حشد من المساعدين والحراس… وعدسات المصورين تلتقط له صورا في وضعيات متعددة، أكثر من الرياضيين والرياضيات المتوجين في درجات وأعمار مختلفة… لقد سلمت على رئيس الجامعة، وتسلمت منه الكأس، رفعتها عاليا وأنا جد منتش بتصفيقات الجماهير… عند نزولي من المنصة، همس في أذني المسؤول الأول عن نادي مدينتي قائلا:" افرح بكأسك جيدا، واعتن بها قبل أن تعيدها لنا لنضعها في مقر النادي "

     احتضنت كأسي بين ذراعيّ.

   ما أن عدت إلى مدينتي، حتى اتصلت بصديق يعمل سباكا للفضة والنحاس والرصاص… في ورشة خاصة به، يصنع براريد الشاي، وعدة أوان أخرى وأنواعا من الأنابيب… طلبت منه أن يستخدم مهاراته الموروثة من أجل وضع نسخة عن الكأس من الرصاص، ثم يلمعها بغشاء فضي، وأن يحتفظ بالسر الذي لا يعلمه سوانا… "على أي فالكأس ليست صعبة التقليد، أمثالك في الحرفة ـ قلت له ـ يصنعون كؤوسا فضية حقيقية لجمعيات وأندية متعددة "… باعتباره صديقا ورياضيا فقد وافق فورا حتى لا تضيع مني الكأس، فقط علي أن أؤدي ثمن المواد الأولية.

  بعد أيام دعاني المشرف على النادي إلى حضور الحفل الذي سيقام على شرفي ! وطبعا علي أن أحمل معي الكأس كما طُلب مني ذلك. لم أجد بدا من تلبية الدعوةبعد نزولي من سيارة الأجرة أمام بوابة النادي، سقطت مني الكأس، فتشقق الغشاء الفضي من جهة القاعدة، وتكسرت شظية في مقدار سن طفل من الفوهة، كان المدير قد خرج رفقة مساعديه وجمع من جمهور المدينة للاحتفاء ببطلهم كما يقولون. لففت الكأس بقميص رياضي، رغم إلحاح البعض على حملها إلى أعلىدخلت رفقة المدير إلى مكتبه، فأسررت له بواقعة سقوط الكأس، وما وقع لها من كسر بسيط.

  تلمس المدير الكأس بأصابعه الغليظة، تقبل الأمر، ولم يبد أي رد فعل سلبي، قائلا إن ذلك لن ينقص شيئا من الكأس ومن قيمة التتويج، ومن بطولتي التي نلتها بجدارة حسب قوله.

    لم أكن أعلم أن رئيس الجامعة سيحضر الحفل، أخبرني رئيس النادي بذلك، بعدما شدني من ذراعي وأزاحني جانبا قائلا:"اعلم أيها الفتى البطل، أن رئيس الجامعة سيشرفنا اليوم… وبما أنه لأول مرة سيحضر هنا، لن نجد أحسن وسيلة نشكره بها على ذلك، سوى تفضلك بتقديمك الكأس له، فبرأيي هو الذي يستحقها؛ بفضله وجد نادينا هذا،

المزيد


قصة

يونيو 25th, 2007 كتبها مصطفى لمودن (المشرف) نشر في , قصة

         توصل بريد المدونة بقصة قصيرة من الأستاذ الصديق عبد العظيم البقالي، وهي واقعية من صميم الحياة، لكن الكاتب بحدسة الثاقب ارتآ أن يوسع أبعادها.

              

       أقصوصة:        رد الجميل

 

  

المزيد


ثقافة وفن

يونيو 5th, 2007 كتبها مصطفى لمودن (المشرف) نشر في , قصة

       قصة:                     تاء التأنيث المتحركة 

              1 ـ دردشة

                 * من قرية ظالمة إلى شرنقة حالمة

     كنت دائما أحاول أن أكلمها، كبرنا في نفس المدينة الصغيرة، أعرفها منذ كانت تذهب إلى المدرسة الابتدائية حاملة محفظتها الثقيلة على ظهرها، تروح وتؤوب دون التفات، كأنها نملة جادة تحمل هم مجتمع النمل لوحدها…

     أخيرا اتيحت لي الفرصة… وجدتها بجانبي، لا تفصلني عنها سوى بضع سنتيمترات، أبصر الشاشة وأضغط على" الفأرة " بإبهام يميني… بين الفينة والأخرى أختلس إليها نظرة، فأجدها منهمكة في النقر بأصابعها العشرة بسرعة هائلة… ثم تتوقف لتقرأ، فتبدو على محياها ابتسامة دافئة.

       افتعلت إسقاط قلمي قرب قدميها ، حاولت أن أنحني لآخذه، التفتتْ جهتي وابتسمت أكثر… رددت التحية بأحسن منها، تشجعت وقلت في نفسي هذه هي المناسبة، خاطبتها هامسا:

    ـ الأخت الكريمة أريد أن أتحدث إليك، مدة وأنا متلهف لمثل هذه اللحظة…

   ـ ولماذا يا أخي ؟

   ـ لماذا !..

 ضغطت على شفتيّ وسحبت هواء كثيفا وأضفتُ:

  ـ قد نتعارف، وقد تتمتّن علاقاتنا، وقد… 

     أوقفت بضربة من سبابتها الحاسوب، دارت جهتي بكامل جسدها، قطّبت حاجبيها الدقيقين، وعالجتني بسؤال مختصر كأنه رسالة إلكترونية مستعجلة تحمل خبرا حزينا:

   ـ هل تشتغل ؟

  قلت لها: ـ لا، أخي الأكبر هو من يشتغل من ضمن أسرتنا.

  ـ هو أولى من يتحدث إلي إذن. وأضافت صارخة بلهجة صارمة حتى انتبه كل رواد المحل:

  ـ ألا ترى أنني في دردشة؟

 وعادت تحملق في شاشتها، التقطتُ قلمي، واستأنفت تصفحي باحثا عمن أدردش معها من قارة أخرى.

                      2ـ رحلة                          

         * من ضيق الدار إلى أفق الانتظار                      

 دلفت المقصورة، ألقيت بجسدي المنهك على المقعد، وقد بدأت انتعش بفضل الهواء المكيف للقطار من فرط حرارة فصلية مقنطة… بجانبي شاب وسيم وأنيق،يبدو أنه لم يتخط ربيعه الثاني، خدوده تلمع، ملامحه تفصح عن هويته،يظهر أنه من شرق أسيا وقد نال نصيبه من الطفرة الاقتصادية التي بلغت هناك شأنا رفيعا، تجلس على يمينه فتاة نصف مكتنزة ، بيضاء البشرة ، تبرز مساحة شاسعة من صدرها العريض،يظهر حملها واضحا من بطنها المنتفخ، وهو يكاد يمزق سترة رهيفة ، تتمدد أكثر وتمد ساقيها، يتطلع الشاب إلى دليل سياحي باللغة الإنجليزية حول المغرب ، يسأل عن البلدات والمدن التي يتوقف بها القطار ، تحاول الشابة أن تعلمه بضع كلمات دارجة ، يلوكها متلعثما ويضحك كوليد  ا

المزيد


قصة

مايو 10th, 2007 كتبها مصطفى لمودن (المشرف) نشر في , قصة

 

  قصة قصيرة:      الجذور والعاصفة                  

 

عندما اصفر أديم الشمس وشحب الأفق، رفع المعطي رأسه، استقامت قامته المنثنية طول النهار. مسح بكمه عرقا باردا تصبب على الجبين، تأمل الشجرة الوحيدة الباسقة في إباء وعنفوان وسط حقله الصغير متحدية جميع العواصف كقمة جبل شامخ… كان جده يوسف جادا في تلقين أحفاده درسا في الكبرياء والثبات، هو من غرس الشجرة منذ عقود خلت، وأوصى برعايتها… تظهر من بعيد، تميز حقله عن الحقول الأخرى، كانت الوحيدة إلى أن فطن الجيران لفائدة غرس الشجر. لكن شجرة الجد يوسف بقيت هي الأعلى، كان المعطي يذكر باستمرار أن من جذوره ممتدة لا تحركه ريح ولا تهيجه غواية.

ينتقل بصر المعطي إلى النظر في التربة الداكنة، وهي تدثر بذورا ظل ينثرها طول النهار، يقبض كمشة من التراب، يذريها بنفخة من رئتيه، يتشبث غبار بخياشيمه، ويلتصق تراب بصدرته المبللة بالعرق، يضرب بعتلته الأرض متحسرا على زمن كانت فيه المحاصيل تكفي أسرته على مدار العام، ويبيع منها الباقي…أما الآن فقد طرأت على المنطقة متغيرات.

تكاد كارثة تعصف به وبجيرانه الفلاحين، لم تعد ساقية الماء تحمل للحقول ما يكفي، حفروا الآبار فغار الماء سنة بعد أخرى، زادوا في الحفر إلى أن هدت سواعدهم، أما جارهم الثري، المستثمر الجديد كما يسمعون تسميته على كل لسان، والذي لا يعلمون عنه شيئا، بل لم يرونه قط، من أين حل؟ لا أحد يملك جوابا! قد يكون مترفا من إحدى المدن، يكتفي بالإطلاع على دفاتر الحسابات لمقاولاته الكثيرة، قد يكون مجرد شركة عابرة للقارات تملك أسهما وسندات في بورصات العالم، قد وقد… المهم أن حقول المستثمر الجديد تينع، ويرتفع مردودها، تصطف باستمرار على جنبات حقوله شاحنات متنوعة لنقل المنتجات إلى أسواق بعيدة…العمال المجلوبون يوميا عبر شاحنات مكشوفة، يتقافزون من هنا وهناك، والآليات المختلفة تملأ المكان بالضجيج والدخان…

في البداية اقتنى المستثمر الجديد حقلا مهجورا رحل وارثوه إلى الخارج لتتوسع أرضه باستمرار… كل الأشجارالمغروسة تتساقط بإعدام سريع، تزأر المناشير الآلية وفي لمح البصر تتناثر الجذوع كأنها جثة جنود سقطوا ضحية غارة غادرة… يعري الأرض ليزرعها بنباتات فصلية كما يريد! بعد بضعة شهور يقلع بقاي

المزيد





الموقع الفرعي لمصطفى لمودن بموقع الحوار المتمدن